بين رواد المقاهي الشعبية .. ورواد مقاهي الانترنت
12 May 2008 in Civic Participation
Waleed Sadek joins us as a Youth Ambassador from Egypt where he is a lecturer at National Institute for Planning at the Ministry of Economic Development.
في منتصف خمسينات القرن الماضي ازدهرت المقاهي الشعبية وتطورت فاعلية الجلوس فيها إلى نمطيات إنسانية في مجالات متعددة منها الفنون الموسيقية والغناء، حيث اتخذ مطربو المقامات ومادونهم من المقاهي ملاذاً لفعالياتهم الفنية، فيما اتخذ الأدباء والصحفيون المقهى ملاذاً لنقاشاتهم وقراءاتهم، فصار لكل مجموعة أصوات أدبية أو فنية مقهى خاص تتردد عليه فئة محددة دون غيرها باستثناء الاستضافات التي قد تحصل بين الفينة والأخرى كأن يصطحب هذا الفنان أو ذاك الأديب زميلاً له أو قارئاً معجباً برواية أو قصة أو مقال أو هاو لقراءة المقام أو مستمع إليه. كان التقليد يقضي بقيام الفئة الفنية أو الأدبية الاحتفاء بالضيف الزائر من خلال تكريس الحديث في تلك الجلسة معه دون غيره تصاحبها الطلبات الكثيرة لأنواع المشروبات التي يختص بتقديمها المقهى مثل الينسون والشاي والكاكاو والقهوة أو بعض المرطبات.
مقاهي الانترنت ما دمنا بصدد الحديث عن مفهوم المقاهي كحالة اجتماعية متعارف عليها منذ نشوء المدن الحضرية، فلابد من التوقف عند حالة ظهرت حديثاً، وانتشرت في المدن الكبيرة انتشاراً هائلاً فاق ما موجود أو ماحققته المقاهي الشعبية من حيث العدد أو النكهة أو الموقع بكثير من الأشواط. تلك هي مقاهي الانترنت التي تفردت بحالة واحدة عن المقهى الشعبي بكونها تستقبل زبائن من أنواع خاصة، زبائن صامتين، بعيدين عن الثرثرة والقيل والقال، بعيدين عن لعب الطاولة، إذ إن رواد مقاهي الانترنت هم رواد صامتون، منعزلون داخل مكعبات صغيرة لا يزيد حجم الواحدة منها بأكثر من متر مربع واحد. يتعاملون مع شاشة الكمبيوتر وفق حالة مزاجية خاصة أو وفق تأملات طويلة يقضونها بالتحديق فيما تظهره لهم تلك الشاشات العجيبة الغريبة. وهنا نتساءل هل إن هذا النوع من المقاهي الحديثة التي لا يتوفر في الكثير منها مشروبات مثل الشاي أو القهوة ولا تعتمد على مردودات الألعاب الشعبية أو الزيارات المفاجئة لضيوف يحلون على روادها القدامى، هل بإمكانها الصمود أمام تاريخ وتقاليد المقاهي الشعبية التي أسست لها قاعدة عريضة من الزبائن الدائمين عبر أزمنة طويلة قد تزيد على عمر جيلنا الحالي إلى أجيال الآباء أو الأجداد؟
الجواب على ذلك هو نعم، والنعم هذه تأتي لصالح مقاهي الانترنت التي غزت أسواق وشوارع المدن الكبيرة والمباني، بما في ذلك بصفة خاصة مدينة القاهرة.
مقاهي الانترنت في مدينة القاهرة حريصة على مثل هذه التقاليد الشعبية كما حصل مع المقاهي التقليدية خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي والسنوات السابقة في هذا القرن.
ومن خلال جولة معمقه الأهداف والرؤى بين مقاعد مقاهي الانترنت في القاهرة أو في أي مدينة في مصر و بالنظر إليها من خلال جولاتي في مقاهي الإنترنت داخل القاهرة أو بإحدى المحافظات سواء الساحلية أو بصعيد مصر نجد التقاليد موجودة من حيث الوضع في الازدهار والنمو وأنواع الزبائن والفئات العمريةوعلى المستويات الثقافية والفكرية كافة.
الزبائن هم غير زبائن المقاهي التقليدية، قبل أي اعتبار، فإن المقاهي التقليدية في المائة عام الماضية لم تكن لاستقبال السيدات أو الفتيات للجلوس بها أو ممارسة حياتهن كما يفعل الرجال، و قد اختلفت الصورة بالقاهرة و الإسكندرية وبدأت تتلقى الفتيات مع بدء افتتاحمقاهي الانترنت.
ويقول أحد مالكي مقهى الإنترنت: وجود الفتيات في المقاهي لا يقتصر على التصفح أو الكشف عن المواقع، كما يفعل الرجال، بل إن تواجد الفتاة أو السيدة داخل المقهى يأتي من خلال رؤيتي الدقيقة والمتابعة بغرض محدد منها البريد الالكتروني أو التراسل عبر (الدردشة) والحديث من خلال الكاميرا وفي حالات أخرى التحدث عبر الكاميرا مع قريب لها يسكن في دولة عربية أو أوربية، فالكثير من الفتيات أو السيدات يلجأن إلى إدارة المقهى لمساعدتهن بتحقيق اتصال مرئي أو مكتوب مع الأقارب في قارات العالم.
وأهم خدمات الانترنت التي يبحث عنها روّاد المقاهي هي بلا شك، خدمة إقامة اتصالات مباشرة بالصوت والصورة مع أقارب وأصدقاء في الخارج. من المألوف والعادي في هذا المجال رؤية عائلة بكل أفرادها، تأتي إلى مقهى الانترنت من أجل إقامة هذا الاتصال مع أحد أبنائها، خصوصاً من العاملين في دول الخليج. هؤلاء يحرصون – غالباً – على إحضار أطفال، خصوصاً من حديثي الولادة لوضعهم أمام الكاميرا كي يراهم والدهم المقيم في الخارج.
لكنّ معظم روّاد هذه المقاهي شباب تحت سن الثلاثين، يجلسون أمام أجهزة الكومبيوتر لساعات طويلة، بينما كانوا في ما مضى يمارسون هوايات أخرى مختلفة تماماً.
وفي حمّى التنافس بين المقاهي المتعدّدة، عمد أحدهم إلى الإعلان عن خفض سعر ساعة الانترنت إلى النصف تماماً بعد الساعة العاشرة ليلاً وحتى الصباح. هذا الإعلان سرعان ما تجاوب معه أصحاب المقاهي الأخرى، فصار تقليداً يتبعه الجميع. هنا نشأت مشكلة جديدة: تخفيض السعر إلى النصف دفع بالغالبية العظمى من الشباب والمراهقين إلى تأجيل زياراتهم للمقاهي إلى ساعات الليل. ما جعل أعداداً متزايدة من الأهل يتذمرون من عادة جديدة غزت بيوتهم وهي عودة أبنائهم المراهقين إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل، بل مع ساعات الفجر أحياناً.
أما الفتيات، فيحضرن في النهار فقط. وعمدت بعض المقاهي إلى خلط الفتيات مع الشباب من دون تمييز في حين حرصت مقاه أخرى على اعتماد تنظيم الطابقين، الأرضي للشباب، والثاني للفتيات.
ففي مدينة لا يصل عدد سكانها إلى مئة ألف، يصبح لافتاً أن يتواجد فيها ما يربو على عشرين مقهى، تصل أعداد أجهزة الكومبيوتر في أصغرها إلى عشرة على الأقل، فيما يتجاوز العدد الثلاثين في مقاه أخرى.
يبقى أن الجميع اتفقوا على أن المقهى هو المقهى. لاشك أن مقهى أيام زمان له طقوسه حيث اشتهرت مدينة القاهرة كغيرها من المدن المصرية بكثرة مقاهيها الشعبية ولكن بعد انتشار مقاهي وصالات الانترنت في السنوات القليلة الماضية والتي بدأت تستقطب شرائح واسعة ومتنوعة من الأهالي، بدأت الشيخوخة تزحف إلى المقاهي التقليدية ولكن هناك مقاه لازالت تحافظ على أصالتها بل وتنامت الحركة فيها خصوصاً في المناطق السياحية كمنطقة الحسين. والسنوات الأخيرة يصح أن يطلق عليها في مصر اسم «سنوات الإنترنت بامتياز» خصوصاً مقاهي الإنترنت. ولم تعد هذه الظاهرة تقتصر على القاهرة والمدن الكبرى، بل انتشرت في شتّى أنحاء البلاد وصولاً إلى أصغر القرى، لتصبح المتنفّس الشبابي الفعلي والرئيسي.





