Samar Mezghanni joins us as a Youth Ambassador from Tunis, Tunisia, where she is currently studying psychology at the High Institute of Human Sciences in Tunis.

على طاولة العشاء، في ليلة باردة من ليالي الشتاء، تجرأت على سؤال والدتي:" ماما، هل يمكن لامرأة وقرد أن ينجبا طفلا؟"
كنت في الخامسة عشر من عمري، أدرس مادة العلوم الطبيعية ككل التلاميذ، ومن المفترض أني تعلمت جيدا من أين يأتي الأطفال!! إلا أن ما درسته في المعهد لم يتجاوز بضع خطوط عريضة ومعلومات عامة حول الجنس... عفوا التلاقح! فالجنس كلمة لا تدرّس هنا... الجنس كلمة تدنس!
●●●
أنا شابة أحلم. قبل عدة سنوات بدأت أطالع بنهم. في كل ليلة تنفتح أمامي قبل النوم فضاءات تفكير جديدة وأنا أطالع كتبي وروايتي وتتركني أسبح في خيال الأدب اللاتيني وحكمة الأدب الياباني وتعقل الأدب الأوروبي. أنا شابة فضولية أتعطش للمعرفة دون أن أحدّها بالمراجع المدرسية.
عذب السؤال الملحّ رأسي العنيد وفي تلك الليلة تجرأت وسألت أمي. أجابتني محاولة أن تحافظ على هدوئها:" البشر ينجبون بشرا والحيوانات تنجب حيوانات وتلك هي "حكمة الله في خلقه" وكفى!!"
لم أتردد في سؤالها:" ولكن ماذا لو حدث "أمر ما" يسبب ولادة طفل من امرأة وقرد؟"
توقفت والدتي عن الأكل، مضغت اللقمة الأخيرة على مضض، حدقت في عيني في ريبة وشك، ثم قالت:" لا يمكن أن يحدث "أمر ما" بين إنسان وحيوان!"
أفلت ردّي رغما عني:" وماذا عن البشر الذين يمارسون الجنس مع الحيوانات؟"
●●●
أنا شابة لا أعرف حدودا لعقلي. قبل بضع سنوات، بدأت أسافر وأتعرف على شباب من كل بلدان العالم، من كل الألوان والأديان. اكتشفت حينها أن هناك أكثر من زاوية لرؤية العالم وأن الزوايا المختلفة عن زاوية نظري يمكن أن تكون هي الأخرى صحيحة. كنت مسجونة في منظور واحد. كنت سجينة بعد واحد حتى اللحظة التي عرفت فيها أن ذلك البعد ليس الوحيد. فهمت أن هناك آراء أخرى وأنها قد تكون صائبة حتى وإن كانت مخالفة لما علمته إياي أمي. أدركت أنه في الحقيقة لا توجد وجهات نظر صائبة أو وجهات نظر خاطئة... توجد فقط وجهات نظر.
●●●
ارتعشت يداها وهي تمسك قطعة الخبز بين يديها. ارتبكت نظراتها وضاعت في خطايا فضولي اللامحدود. تبعثرت الخطوط الحمراء هنا وهناك. غطى التمرد الصارخ لكلماتي فوهة المقدسات الثائرة. كشف الستار عن المسكوت عنه. كجسد امرأة جردت من ملابسها. هنا.. جسد المرأة يقتل أو ينتهك حين يكون عاريا.
فضولي كان جسد امرأة!!
●●●
أنا شابة أتفتح كزهرة الربيع في أرض مليئة بالأشواك. يتحرر عقلي رويدا رويدا من كل الموروثات والتقاليد البالية وينمو بعيدا عن الأفكار المسبقة والقوالب الجاهزة. أنا شابة أضيع في نقاط الاستفهام التي أزرعها أينما أحلّ دون أن أجد إجابة عنها: "تلك هي حكمة الله في خلقه"... "ولله في خلقه شؤون"... "صه"!!
●●●
لا أعرف كيف ستكون ردة فعل والدتي حين أواجهها بأني أؤمن بمبدأ المساواة بين الأبناء الشرعيين والأبناء اللاشرعيين، أني أدافع عن حقوق الشواذ وأني أطالب بترسيخ ثقافة جنسية في عالمنا العربي. لكني أتوقع أن لا تكون ردة فعلها أقل مما كانت عليه في تلك الليلة.
أنا شابة في عالم كهول. أنا صغيرة في عالم صغير ولكن لا يزال يحكمه الكبار. أنا أفكر بشكل مختلف عنهم.. أنا أنام الآن هادئة بعد العاصفة التي أثرتها اليوم على طاولة العشاء.. أنام في سكون ولكن دون عشاء...
سمر سمير المزغني
Write to Editor
Comments on ليلة بلا عشاء
Write to Editor
From Abdullah Al-Thawr on 15 July 2008, 19:15
شكرا كثيرا على هذه المقالة الجريئة جدا يا سمر. أنا متأكد انك ستجدين من يقرؤون هذه المقالة ويتفاعلون معها بتجاوب مختلف كل على مستوى انفتاحه وثقافته.
صراحة الموضوع يجب أن يأخذ بجدية وتحليل أكثر لأن ليس كل الدول مثل بعضعها أجتماعيا وثقافيا. ورغم أن موضوع الثقافة الجنسية يجب ان يتم تدريسه في مناهج المدارس الإعدادية والثانوية إلا أنه يجب أن يبقى ضمن إطار توعوي وليس تشجيعي بما يخالف الدين الإسلامي التي تسير على منواله الدول العربية، وخاصة في موضوع (الشواذ الجنسي). يجب أن تكون الثقافة هدفها أيضا التوعية من أجل الحماية لما من أثره في خفض معدل الإصابات بالأمراض الجنسية المعدية.
ولكن في نهاية الأمر يجب أن نعرف أنه سيؤخذ بعض الوقت من أجل الوصول إلى هذه النوع من التفتح ومستوى الثقافة (رسميا) ، لأنه لا يمكننا أن نرمى بفتى إلى مسبح دون أن يكون قد تعلم السباحة. ولا أعتقد أنني سأجد مدارس ثانوية عربية تقوم بتوزيع وسائل الحماية الجنسية لطلابها مثل مدارس الثانوية في أمريكا وأوروبا إذ أن الموضوع (الجنس) كما ذكرتي في مقالتك محرم بين غير المتزوجين ليس دينيا فقط ولكن فكريا أيضا من نظرة مجتمعية وليس من نظرة فردية.
From Sarah Zaaimi on 29 July 2008, 05:30
Samar my dear, it feels so great to be liberal and tolerant. It's sad how our parents tend to give us religious arguments to explain the world. Religion is very important but it's also very personal: above all we are not prophets and we are far from being Gods to judge other people. I think condemning prostitutes, gays, children outside mariage, etc. is pretending to be God, which is the worst religous sin ever. Really lovely piece: I enjoyed reading it!
From Asma on 31 July 2008, 06:15
المشاكل في العالم اكبر من الجنس و الشذوذ ...... في فقر وظلم وجهل و حروب حاولي تشوفي الدنيا بمنظار اكبر
From Abdullah Al-Thawr on 2 August 2008, 14:30
أتفق معك يا اسماء بأن مشاكل العالم أكبر من الجنس والشذوذ، وأريد أن أؤكد لك أننا نحاول أن ننظر بمنظار أكبر دائما، وهذه حقيقة، ولكن يجب من حين إلى أخر أن نأخذ بعض القضايا التي يغض النظر عنها ونضعها تحت المجهر، فسوف نرى ونستنتج لاحقا أن بعض هذه القضايا الصغيرة ما هي إلا ناتجة من قضايا كبيرة، وإن لم نأخذ في دراستها الان ومحاولة معالجتها فستكبر إلى قضية كبيرة يصعب التعامل معها.
From Ibrahim Mothana on 13 October 2008, 12:00
تحية طيبة معطرة بعبق البن اليمني الأصيل و أشكرك على ما خطته يداك و على جراءتك في الطرح التي كثيراً مانحتاجها لتزيل الغبار المتراكم حول أحكام مسبقة فرضت علينا دون أن تترك لنا الفرصة لنقيم مدى صحتها من خطاءها و يصبح من المحال إخراجها من التابوهات التي وضعت فيها منذ أزل بعيد، ليس فقط الثقافة الجنسية و ماذكرتيه و لكن أشياء أخرى كثيرة!!!
ولكن المشكلة الكبرى أن مجتمعاتنا مازالت ديكتاتورية تجد في الحجر على كل مايخالفها لذة غريبة، هامش حرية التعبير مازال ضيقاً و الأخر في مجتمعاتنا يعتبرك مهرطقاً إذا خرج خطوة واحدة من عصا الطاعة الفكرية التي فرضت علينا. فإن كانت وجهة نظر قد تقودك في مجتمعك إلى ليلة بلا "عشاء"، فحيثما أعيش وجهة نظر قد تقودني إلى ليلة بلا "حياة".